( قصة قصيرة)

( تفاحة )

 

المرأة مثل القمر لا تشع ضوءا ذاتيا .. بل تعكس الضوء الآتي إليها من شمس الرجل

( توفيق الحكيم )

****

تحت الدش .. الماء ينساب بين تفاصيل جسدها العاري، يمر بين تقاطيعها، يتسلل بين خصلات شعرها الطويل، وهي تقف مخدرة من صدمتها .. محاولة أن تستوعب .. تبحث بين أبخرة الماء الساخن الذي سلمت جسدها له .. أين بدأت الحكاية ؟ .. وهل انتهت القصة هنا ؟

****

مريول المدرسة يعطي رونقا وطهارة للبنات، يخبئ تحته قلوب ترفرف ملهوفة للحياة .. وتفاح لم تكتمل استدارته بعد، يحتشدن عند باب المدرسة، ينحشرن داخل خط وهمي مرسوم يفصل بين الباب وبين الشارع المقابل له، والذي امتلأ بسيارات أولياء الأمور. وهي بينهن، الحقيبة ثقيلة على كتفيها، تحمل هموم المدرسة .. الاختبار الذي رسبت به، الكتاب الذي احضرته في اليوم الذي لم يذكر جدولها الدراسي وجود الحصة التي تلائمه، وكشكولها الذي امتلأ بقصاصات صور المطربين والفنانات، ورسومات وشخبطات طفولية .. وقلب حب اخترقه سهم كتب على طرفيه (م) و (س) ..

****

بين زحام وجوه استنزفها تعب يوم عمل طويل مرهق، وندى جبينها من حر الصيف الثقيل .. يظهر وجه (س) بين الزحام، يطل بابتسامة عذبة، وبوجه أخفى نصفه بنظارة سوداء كبيرة، يستريح (شماغه) على كتفه، وبين طرفي اصبعه استقرت سيجارته .. فاختلط دخانها بعبق عطره الرخيص، داخل سيارته ( الزد) القديمة وبصوتها العالي المميز يلوح لها .. فترد له بتلويحه من نوع آخر .. غمزت .. ثم احتضنت قبضة يدها نحو قلبها .. بما معناه .. أحبك ..

****

مع مرور الوقت تذوب حرارة الماء الساخن مع حرارة الجسد .. فلا يصبح لها معنى .. ولا أثر .. تزيد من حرارة الماء، وتقلل من برودته .. فتتسلل لجسدها نشوة غريبة .. تشعر بلسعات الماء تحرق جلدها الطري .. فتنتشي أكثر .. هل ينجح تعذيب الجسد في تطهير ذنوب النفس ؟

****

قبل ظهور الموبايل .. والانترنت ..

لتلفون البيت هيبة، ومكانة مرموقة .. لا يفوز به إلا أكبر القوم أو من خط له شارب .. أو من حالفها الحظ وتخرجت من المدرسة فالتحقت بالجامعة، فأصبحت بعرف قانون العائلة .. امراة لا ينخاف عليها .

حين نجحت بالانفراد بالتلفون تلك الليلة، وبعد أن عاد الوالد والأخوة الرجال للبيت وغرقوا في نوم عميق بعد يوم لزج طويل من العمل، اختبأت في غرفة السلم، وانحشر جسدها بين أكياس الثياب القديمة وبقايا أحذية بالية .. احتفظت بها أمها للفقراء وأهل الحاجة.

ضغطت على أزرار الأرقام بحذر ولهفة .. أتاها صوته على الطرف الآخر .. غليظ .. رجولي .. مبحوح منهك من عادة التدخين التي في نظرها تعطيه هيبة وهالة لا تقاوم .. انتشت بنبرته وهو يجيب :

-         ألو

-         ألو .. لا أستطيع أن أسهب بالكلام .. غدا الموعد في السابعة والنصف تماما

.. عند الباب الخلفي في المدرسة .. أنتظرك لا تتأخر ..

 

 

ولم يتأخر .. فكان مرابطا عند الباب الخلفي في السابعة تماما ..

وصلت السيارة عند باب المدرسة، نزلت ولم تلقي نظرة أخيرة على ملامح والدها خوفا من أن تكتشف ما إذا كان يشك أو يعلم بأمر خطتها للهروب .. للانزواء معه .. لتلفح محياها نفحاته المشبعة بطعم السجائر .. ولتستلذ برائحة عطره الرخيص.

تأكدت من اختفاءها بعيدا عن باب المدرسة وبين زحمة الأجساد، المكسوة بالمريول المدرسي، والجدائل التي مشطت بعناية وربطتها الأمهات بإحكام، والتي تتدافع لدخول المدرسة قبل أن يدق جرس طابور الصباح، انسلت من بين الجموع وهرولت بخفة للباب الخلفي .. وصعدت معه سيارته الزد .. وبعد أن رمقها بنظرة انتشاء لفوزه بها، دفع بطرف إصبعيه سيجارته، نفث دخانه خارج النافذة خوفا من أن يضايقها، وضع حقيبتها الثقيلة في المقعد المحشور في الخلف .. وانطلق بها مخلفا وراءه دخان أسود وصوت عال أزعج بعض العمال الهنود الذين ينظفون الشوارع صباحا.

****

الحرارة لا لذة لها إذا لم تلامس الجسد كله، قررت أن تغرق الجسد ..

أغلقت الشاور، فتحت الحنفية، نزل الماء يسبقه بخاره الحار، وقفت صامتة مشدوهة بالماء وهو يرتفع ويملأ (البانيو) الكبير .. وأبخرته تصعد معه مشكلة شبحا يتراقص عبثا . اغلقت الحنفية، مدت رجلها بحذر تتحسس الماء لتتأكد من أنها الحرارة المطلوبة، ابتسمت بانتشاء ورضا .. أقحمت الرجل الثانية بجرأة .. وسلمت جسدها له . .

****

حين استلم هو جسدها كان أكثر ما يداعب شهوته المكبوتة تلك الحركات العذراء التي كانت تقوم بها، يقبلها فتمتنع .. يتحسس تكويرات جسدها فتضربه بخفة على راحة يده وتنهره بدلع :

- عيب

ولكن العيب كان مباح في ذلك الصباح، وما كان ممنوع أصبح مرغوب .. وبعد أن كانت تتمنع أصبحت تقاوم .. وتقاوم .. وتقاوم .. ولكنه استلم جسدها .. وسلبها أعز ما تملك .

****

الجسد ينقع تحت الماء الحار .. الحرارة تصنع لذة .. وخدر في الأطراف .. و رغبة جامحة في الغرق .. تغرقها ذاكرتها بالأحداث .. فتتذكر .. فتغمض عينيها .. وتنزلق أكثر تحت الماء .. فيغرق وجهها مع الجسد .. وتختفي ملامحها تحت الماء .

****

السر يُكتم بكتمان صاحبه ..

وهي كانت أفضل من يكتم سرها ..

بعد أن غدر بها علمت أن لا سر يؤتمن، ولا صاحب وفي .. ولا رجل نقي .. ولا إنسان يستحق الثقة.

كان الصراع كبيرا في أن تخفي السر عن أهلها، أبيها .. أشقائها .. عذريتها التي فقدتها .. هل سيغفرون لها لو علموا بأنها فرطت برأس مال هذا البيت المستور؟ كيف تقاوم الفتاة بساطة أسرتها وطيبتهم في وجه ذنب حملته منذ أن سلمت جسدها لذلك الذي أخذ ما يريد .. ورحل تاركا معها ذل يكسوها وخيبة في الحياة ؟ ..

انتهت أيام المريول، رحلت أيام الدراسة، جاءت أيام الجامعة .. وانتهت. وفي طريقها الطويل هذا لم تفتح بابا لعلاقة، ولم تستجب لأية دعوة خبيثة للهو أو عبث مع رجل آخر ..

الغل يغلي في عروقها، وحقد أسود ينتشر في قلبها، رغبة ملحة للانتقام تعتريها .. وبعد صبر وانتظار طويل نجحت في الوصول إليه .. فوجدته ..

****

لم يكن اللقاء الأول بعد فراق سنوات طويلة كما تخيلته .. تغيرت ملامحه .. ذبلت وسامته .. فرش الصلع مساحات على رأسه .. و نبت الشيب في شاربه ولحيته المجعدة، بينما امتدت كرشته تسبق خطواته .. فاستنتجت دون عناء بأنه قد التحق بأكاديمية الزوجية .. حيث يتحول معظم الرجال إلى كهول .. بعد أن ولت أيام وسامتهم .. أو هكذا كانت تظن.

كان يتفحصها، فعرفت بأنه لا يزال يشتهيها، بينما كانت هي تحاول التتهرب من التمعن فيه .. حتى لا يثور المخلوق الذي تكون فيها .. من كرهها له.

استمر اللقاء بينهما، واستمر هو في التغزل فيها .. ولا ينفك يداعبها وهو يذكرها بأيام زمان .. السيارة الزد .. المريول الكحلي .. والهروب من المدرسة .. وذاك الصباح الـ ... أغمضت عينيها .. هزت رأسها بنفور .. هو يذكر ذاك الصباح بشهوة و انتشاء .. وهي كلما تذكرته يصحو الكائن في داخلها .. يستل خنجره فيطعنها في ضميرها .. يقطعه أوصالا .. ويعيد تجميعه مرة أخرى ..

مد يده .. حاول أن يمسك بيدها .. همس ورائحة دخان كريهة تنبعث من فمه :

- يجب أن نعيد تلك الأيام الخوالي ..

 

ابتلعت غصتها، حاولت جاهدة أن تخمد ثورة الكائن الثائر فيها، صنعت ابتسامة مشلولة بشعور بالقرف .. حاولت التجاوب معه :

- سمعت من الناس أنك أصبحت تملك يختا الآن .. لطالما كنت تحب البحر ..

- هل تودين الخروج بنزهة بحرية ؟

 

اكتفت بالابتسامة لتعلن موافقتها .. ابتسم هو فكشف عن أسنان صفراء وأنياب غير مسنونة، بينما هي أحست بالكائن داخلها يزفر ويلهث .. بانتظار اللقاء الموعود

*****

القمر جنين في رحم السماء .. قبلة بيضاء على جبين أسود .. جبين تلألأ بحبات كاللؤلؤ .. انتثرت في كل اتجاه .. فشكلت نجوما .. كانت هي الشاهد على هذه الرحلة ..

في يخته .. أخذ يتجول بها في الغرف وفي الزوايا .. يريها انجازه الكبير .. حلمه الذي لطالما حدثها عنه .. لطالما عشق البحر .. ولطالما عشقته هي .. ولكنه حطمها .. فحان الوقت لتحطمه.

على ضوء القمر أخذ يقول فيها شعرا .. يتحسس بيده المشبعة برائحة التبغ خدها الأبيض .. يهمس شوقا .. يقطر عشقا .. بينما هي في داخلها يقطر الكائن المختبئ ألما .. ويندي قلبها حسرة على تفاحتها المحرمة التي التهمها ..

انتظرت حتى انتهى من كأسه .. لعب الخمر في رأسه .. وقف .. فتسللت موجة عابثة واصطدمت في اليخت .. اهتز في مكانه .. فكاد يسقط .. اقترح بلسان ثقيل أن يأتي ببعض المزة .. لتحلو الجلسة .. ذهب .. عاد .. يحمل الصحن المكتظ بأشكال من الفاكهة .. وفي قلبه انغرست سكينة كبيرة .. وضع الصحن أمامها .. انتقى من الصحن تفاحة حمراء .. قدمها لها بعد أن مسحها بملابسه ناحية قلبه .. همس مبتسما كاشفا عن أسنان غير متراصة :

- قطعي لنا تفاحة يا عمري .. فالتفاح منكِ له طعم آخر ..

ابتسمت بدهاء .. أخذت التفاحة .. استلمت منه السكين .. أغمض عينيه مع أول نسمة باردة غافلته فشعر بنشوة تسري إلي داخله .. رفعت يدها تحمل السكين .. انهالت عليه بها .. طعنته.. وطعنته .. سال دمه فلطخ بياض المكان .. عكس القمر وجهها اللاهث .. أحست بنشوة غريبة .. وخدر في أطرافها .. أحست بالكائن داخلها يتحرر .. يكسر أغلاله في داخلها وينطلق سابحا في فضاء حر .. يسبح نحو القمر .. نحو سماء ستر ظلامها لحظة احتفالها في انتقامها منه .

****

أصوات وهمهمة تأتيها من بعيد .. الماء يشكل حاجز يمنعها من سماع ما يدور حولها، فتحت عينها .. فوجدت وجوه تطل عليها بثياب تألفها .. رفعت رأسها بسرعة مخترقة صفحة الماء .. شهقت مختنقة .. تمعنت في الوجوه .. إنهم الشرطة يملئون حمام بيتها !

مد لها أحدهم بمنشفة كبيرة لتستر جسدها ..

وقبل أن تقبلها منه .. تحسست بيدها تفاحتيها لتتأكد من أنهما في مكانهما ..

فابتسمت بانتصار ..

وقيدت إلى مخفر الشرطة .. متهمة بانتصارها في الانتقام لتفاحتها ..

 

- تمت -


رجــوع


لمراسلة الكاتب


Copyright © 2006-2007.All rights reserved.